عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

526

اللباب في علوم الكتاب

واختلف حينئذ عن ماذا انتصب هذا المصدر ؟ فقيل : عن قوله : « قُولُوا : آمَنَّا » . وقيل عن قوله : « وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » . وقيل : عن قوله : « فَقَدِ اهْتَدَوْا » . الثاني : أن انتصابها على الإغراء أي : الزموا صبغة اللّه . وقال أبو حيان « 1 » وهذا ينافره آخر الآية ، وهو قوله : « وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ » [ فإنه خبر والأمر ينافي الخبر ] إلا أن يقدر هنا قول ، وهو تقدير لا حاجة إليه ، ولا دليل من الكلام عليه . الثالث : أنها بدل من « ملة » وهذا ضعيف ؛ إذ قد وقع الفصل بينهما بجمل كثيرة . الرابع : انتصابها بإضمار فعل أي : اتبعوا صبغة اللّه ، ذكر ذلك أبو البقاء مع وجه الإغراء ، وهو في الحقيقة ليس زائدا فإنّ الإغراء أيضا هو نصب بإضمار فعل . قال الزمخشري « 2 » رحمه اللّه : وهي - أي الصبغة - من « صبغ » كالجلسة من « جلس » ، وهي الحالة التي يقع عليها الصّبغ ، والمعنى : تطهير اللّه ؛ لأن الإيمان يطهر النّفوس . فصل في الكلام على الصّبغ الصّبغ ما يلون به الثياب ويقال : صبغ الثوب يصبغه بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات صبغا بفتح الصاد وكسرها . و « الصّبغة » فعلة من صبغ كالجلسة من جلس ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ . ثم اختلفوا في المراد بصبغة اللّه على أقوال : الأول : أنه دين اللّه ، وذكروا في تسمية دين اللّه بالصبغة وجوها . أحدها : أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ، ويقولون : هو تطهير لهم . وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال : الآن صار نصرانيا فأمر المسلمون أن يقولوا : آمنا وصبغنا اللّه صبغة لا مثل صبغتكم ، وإنما جيء بلفظ الصّبغة على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار : [ اغرس كما يغرس فلان ، تريد رجلا يصطنع الكرم . والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم ] « 3 » : اغرس كما يغرس فلان ، تريد رجلا مواظبا على الكرم .

--> ( 1 ) ينظر البحر المحيط : 1 / 584 . ( 2 ) ينظر الكشاف : 1 / 196 . ( 3 ) سقط في أ .